السودان..رحيل عبد الرحيم حمدي واستمرار سياساته التحريرية في ظل حكومة الثورة

انتقد الكثيرون وزير المالية جبريل على نعي حمدي بإعتباره من الإسلاميين الذين ساهموا في تثبيت أركان حكم النظام المباد بفرض سياسات أفقرت الشعب السوداني وهي (التحرير الاقتصادي والخصخصة).

واستغربوا النعي الرسمي لحمدي لجهة أنه صدر من وزير يمثل جزء من حكومة جاءت بعد ثورة شعبية أطاحت بحكم الإسلاميين.

ولم يخلو النقد من إشارة إلى أن وزير مالية الحكومة الانتقالية يمثل امتدادا لتيار الإسلاميين.

فيما أعادت وفاة حمدي الجدل وسط المهتمين حول جدوى سياسة التحرير الاقتصادي.

سياسة التحرير الاقتصادي

وتولى حمدي حقيبة وزارة المالية بواكير العهد المباد من العام ١٩٩٠ وحتى العام ١٩٩٣.

ثم عاد إليها في العام ٢٠٠١ واعتذر عن الاستمرار بعد عام واحد لظروف صحية.

وأيضاً عرف بأنه عراب سياسية التحرير الاقتصادي التي تبناها في العام ١٩٩٢.

كذلك بدا حمدي سياسة خصخصة المؤسسات الحكومية ودافع عنها ضد منتقدوه.

وقال: إن دوافعهم عاطفية ناتجة عن تشريد العاملين.

ودائما ما كانت تصريحات حمدي تثير جدلا واسعا في الرأي العام والمجتمع السوداني.

جبريل ينعي حمدي

وأوردت وكالة السودان للأنباء نص النعي الذي احتسب فيه وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الوزير الأسبق عبد الرحيم حمدي.

واعتبر نعي المالية أن حمدي من الاقتصاديين الذين وضعوا بصمةً في مسيرة الاقتصاد السوداني.

ولفت إلى أن وزارة المالية شهدت في عهده حسن الإدارة في وضع السياسات الرشيدة والقرارات الحكيمة.

انتقادات

وفور صدور النعي وصف بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي عبد الرحيم حمدي بأنه الرجل الذي دمر الاقتصاد السوداني.

وإنه حول أصول الدولة لملكية خاصة تابعة لتنظيم الأخوان المسلمون.

ما أفقر الشعب السوداني في وقت تنعم فيه الإسلامين بخيرات الشعب الذي كان يعذب فيه الشرفاء في السجون والمعتقلات حد القتل والاغتصاب.

فيما كانت حكومة حمدي تعدم المتعاملين في العملات الأجنبية حتى لو كانت في حيازتهم مبالغ تافهة من الدولار.

ليعود حمدي ويحرر التعامل بالدولار ليتاجر فيه المخلوع البشير وقيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول.

مأساة

ولكن المأساة بحسب الكثير من المدونيين لا تقف عند جبريل.

بل أشاروا إلى أن الحكومة الحالية تبنت عمليا سياسات حمدي وإعادة إنتاجها بكرامة أقل وتبعية أعمق.

وبيان وزير المالية وكبار موظفيها اعتبره المنتقدون تأكيد على أن كل الخلافات مع النظام المباد كانت حول الكرسي فقط وليس لفلسفة أو رؤى وطنية.

ولم يستغرب المحلل الاقتصادي إيهاب خيري، أن يثير نعي وزارة المالية لأحد وزرائها السابقين، كل هذه الضجة.

وقال أن حمدي لم يكن مجرد وزير للمالية في عهد الإسلاميين.

بل عُرف بأنه عرّاب السياسة الاقتصادية لحكم الإسلامويين في السودان، خاصةً في سنواته الأولى.

ونوه إلى وزير المالية الحالي، جبريل إبراهيم، ليس مجرد وزير للمالية.

وإنه جاء إلى الوزارة بإرث معلوم في الحركة الإسلاموية، التي كان حمدي من قادتها، وعبر مسيرة طويلة في تأبط السلاح لتحقيق أهداف سياسية.

ويشير خيري إلى قضية أخرى غير التحرير والخصخصة وجدت رواجا كبيرا في ذلك الوقت وارتبطت بحمدي، وجعلته محط لعنات الكثيرين.

وهي ما عُرفت بـ (مثلث حمدي)، والذي قال عنه حمدي نفسه أنه عبارة عن خطة انتخابية لحزب المؤتمر الوطني المحلول.

تتمثل في تركيز التنمية على المناطق التي بها سبق وكسب.

ويقوم المثلث على أضلاع تمثل مدن (سنار كوستي دنقلا) وهو ما عرف لاحقا في الأوساط الشعبية والإعلامية بمثلث حمدي الذي جلب له اللعنات ووسمه بالعنصرية.

وأكد خيري أنه منذ سقوط البشير قبل عامين لم توجه لحمدي أي تهمة بسوء الإدارة المالية.

رغم أن الكثيرين يرون أنه قد دمر الاقتصاد السوداني ورعى حملات بيع مؤسسات القطاع العام والفساد الذي صاحبها.

وتساءل: هل يعني ذلك أن الخلاف معه اختلاف في الرؤى والتوجهات فقط؟ .

وأشار إلى أن الكثيرين اختلفوا مع حمدي وسياساته، وعبروا عن ذلك.

وقال: لكني لم أجد خلال عامين بعد الثورة اتهاماً لحمدي بضلوع في فساد خلال فترة العهد المباد.

خاصةً ما يتعلق بالفساد المتعلق ببيع مؤسسات القطاع العام، فلماذا تحول هذا الموضوع لمجرد حكايات؟ .

وعدد خيري أبرز السياسات والقرارات لتي وصفها بأنها رشيدة وحكيمة لحمدي خلال توليه الوزارة للمرة الأولى (10 أبريل 1990 إلى 30 أكتوبر 1993) والمرة الثانية (24 فبراير 2001 إلى 7 مايو 2002).

وأشار إلى منها سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة.

وذلك بما شمله من جمع للعملة وتغييرها لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية

ولفت إلى أن الخطوة نفسها كانت مطلباً مُلِحاً للكثيرين بعد إسقاط البشير لأهداف مشابهة.

وتساءل: هل هناك فرق كبير بين السياسات التي أطلقها حمدي في تسعينيات القرن الماضي، وسياسات التحرير الاقتصادي التي تنفذها حكومة الثورة الآن؟ .

حمدي والتحرير الاقتصادي

من ناحيته أوضح الاقتصادي، الفاتح عثمان محجوب أن سياسة التحرير الاقتصادي في تعريفها العالمي هي تبني سياسة السوق الحر.

مع خروج الدولة من التجارة وترك السلع لقوى السوق بما في ذلك سعر الصرف للعملة الوطنية.

ونوه إلى السودان تبنى في عهد حمدي سياسة السوق الحر، وهي سياسة نتج عنها زيادة إيرادات الحكومة.

بجانب توفر السلع في الأسواق السودانية التي كانت خاوية على عروشها قبل سياسات السوق الحر التي تبناها حمدي.

وأشار محجوب إلى بعض إيجابيات سياسة التحرير.

وقال: من إيجابيات هذه السياسة انسياب الصادرات خاصة الثروة الحيوانية، وتحسن أحوال المزارعين ومربي الماشية ومقدمي الخدمات.

لكنه أوضح أن ذلك تزامن ذلك مع تدهور سعر الصرف في ظل طلب استيراد عالي على السلع الاستهلاكية والوقود.

وهو برأيه انعكس سلبا على طبقة العاملين في الحكومة.

وأشار إلى أن ذات سياسة التحرير الاقتصادي شجعت على نجاح الاستثمار في البترول وفي قطاع الاتصالات.

وهو ما جعل الناتج المحلي يتضاعف عشر مرات على حد قوله.