ريان السودان من ينقذه من البئر؟

د. عبد المحمود النور محمود

درسنا في الاعلام ان قضايا الحوادث الإنسانية المؤثرة هي أكثر ما يشد انتباه الناس ويستحوذ على تفكيرهم ويستدر عاطفتهم ، ويحشد اهتمامهم ودعمهم ومناصرتهم .. لذلك باتت تعمل كثير من الصحف ووسائل الإعلام على صبغ بعض اخبارها وصفحاتها ونشراتها الرئيسية بعناوين ذات طبيعة انسانية ، وقصص مؤثرة ، ومن أكثر القصص واشدها تأثيرا هي قصص حوادث الأطفال والشباب والنساء ، المرتبطة بالقتل والدماء والاختطاف والابادة والنهايات المفجعة والأليمة ، وباتت الصورة ( سواء حقيقية أو مصنوعة ) من أهم أدوات الإعلام في إضفاء الطابع المؤثر الذي يشد انتباه الناس ويوصل الرسالة الإعلامية التي يريد من يقف خلف وسيلة الاعلام إيصالها بدون تشويش ..
ولم تعد هذه المسألة مجرد نقل خبر ، بل باتت صناعة احترافية يتخصص فيها أهل الاعلام والسياسة ومؤسسات معتبرة ؛ مستفيدين من الإمكانات الإعلامية والتطور التكنولوجي وعلم النفس والاجتماع والسياسة وغيرها ..
وقد برعت جهات إعلامية لها قدرة عالية على استخدام هذه العلوم والمهارات في صناعة الخبر وحبك القصص الاخبارية ، ( الواقعية والوهمية ) ، وإضفاء الطابع الإنساني واللمسات العاطفية على كثير من القضايا والمواضيع لتحقق الهدف ..
وقد جنحت ايضا أجهزة المخابرات وبعض الجهات السياسية إلى استغلال مثل هذه القضايا في شغل الرأي العام وتوجيهه لخدمة أغراض وأهداف محددة ؛ جزء منها ذو طابع انصرافي لصرف الأنظار عن القضايا الجادة وهموم الناس الحقيقية ، وجزء منها لحشد تأييد في اتجاه محدد ترغب هي في صناعته لانه يحقق لها مصالح معينة ، وجزء منها لإثارة السخط الشعبي والجماهيري تجاه جهة أو طرف محدد ، وجزء منه لجمع أموال أو حتى جمع لايكات واعجابات كما هو في كثير من وسائل التواصل الاجتماعي ..
ما دفعني لكتابة هذا الموضوع هو التفاعل الكبير الذي حظي به موضوع الطفل المغربي ريان ( أسأل الله أن يربط على قلب والديه وذويه ويجعله لهم ذخرا في الآخرة ) .. حيث استحوذت هذه القضية بشكل رهيب على قطاع واسع من الجماهير العربية والعالمية وبالطبع السودانية ، ووجدت الحادثة متابعة وتغطية على مدار الساعة عبر كافة وسائل الإعلام تقريبا ، وتجاذبتها وسائل التواصل الاجتماعي من زوايا مختلفة ، وحاول البعض المتاجرة بها والمزايدة عبرها وإضفاء كثير من الاضافات عليها من أكاذيب ورتوش وقصص مختلقة وأبعاد أخرى ..
ورغم أن القضية واقعية ومأساوية مؤلمة لكون البطل والضحية فيها طفل صغير عمره لم يتجاوز الخمس سنوات ، الا انها غطت – بسبب التناول الإعلامي المفرط – على كثير من المآسي وعلى قضايا حقيقية أخرى أكثر إيلاما ومأسوية ، وشغلت وأنست ( على مدى خمسة أيام ) كثير من الناس قضاياهم وهمومهم الذاتية والاجتماعية والوطنية والإنسانية ، فتسمر أغلبهم أمام شاشات التلفاز والهواتف الذكية ، وتناول وتداول اخبارها في مجالسهم ونواديهم ..
سرعان ما ينسى الناس ( أفرادا ومجموعات ومجتمعات وشعوب ) هذه المأساة الإنسانية والحادثة الفردية ليفيقوا على واقعهم المأساوي الاكثر إيلاما وفاجعة وتعقيدا بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية والسياسية..
فإذا أسقطنا ذلك على المشهد السوداني سنجد قصصا واقعية مؤلمة افرزها حال البلاد بكل تعقيداته ، وهي قصص أكثر مأساوية وأكثر صدمة وفاجعة ، فيها الكثير من الأطفال الذين ماتوا في ظروف عصيبة جدا بسبب حوادث أمنية وطبيعية وجوع وفقر ومرض وكوارث ؛ لم يتمكن الإعلام المحلي والعالمي من رصدها وتغطيتها في حينها ، وكثير من النساء والأطفال والشيوخ والشباب لقوا حتفهم في حوادث مؤلمة لأسباب مختلفة لم يهتم بهم الإعلام ولا أهل السياسة والاجتماع ولا منظمات حقوق الإنسان والرعاية الاجتماعية والصحية وغيرها ..
وهناك أيضا متاجرة بقضايا أخرى لحوادث شباب قتلوا ؛ حاولت جهات ( بذات الادوات الإعلامية وتقنياتها ) صناعة قصص ذات بعد انساني مؤلم ، لتظل صورهم ودماءهم محركة للعواطف وللجماهير لخلق حالة مطلوبة تخدم أهداف سياسية محددة..
ومن ( بئر ) هذا الواقع السوداني العميق المؤلم ؛ بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية والسياسية المعقدة ، تبرز تسؤالات عديدة : وهي من ينقذ ( ريان السودان ) من هذا ( البئر ) المتفكك ذو الأرضية والتربة الهشة حتى لا ينهار فيموت ( ريان السودان ) ؟
من يحشد له فرق الإنقاذ الوطني بكل تخصصاتها وخبراتها وتجاربها ، لتعمل آلياتها في فتح الانفاق المظلمة والضيقة وتزيل منها ( المتاريس) التي تعيق انقاذ ( ريان السودان ) حتى يخرج سليما معافى ؟
من يوجه الإعلام ( الداخلي والخارجي) الصادق ليبرز الحقائق ، وينقل الصورة ( بدون مزايدات ) ويوجه الرأي العام نحو القضايا الجادة الحقيقية ( بدون تكسب رخيص وبدون متاجرة ) ؟
كيف يوجه هذا الإعلام جهود الإنقاذ الصادقة نحو البناء الوطني والتعمير وحشد طاقات ( المتفرجين ) من أبناء الشعب السوداني ليقول لهم يجب أن تشاركوا جميعا في إنقاذ ( ريان السودان ) بدلا عن وقوفكم متفرجين سلبيين خلف الشاشات وحول الأحداث ، لمتابعة الكارثة بينما تعمل قليل من فرق الإنقاذ الضعيفة التي يصعب عليها وحدها إنجاز المهمة بدون مساهمتكم ودوركم الإيجابي ؟
قولوا لهذا الإعلام مطلوب منه أن يضيء بكشافاته هذا النفق العميق والطويل من ظلمات الجهل والكراهية والاشاعات والتضليل .. حتى نصل الى ( ريان السودان ) سريعا .. فما زال فيه رمق ومازال قلبه ينبض .. يجب أن نعمل جميعنا لإنقاذه قبل فوات الأوان والا سيموت .. فلم يعد هناك كثير وقت .. ( فالبيئة المحيطة ) – داخليا وخارجيا – ملوثة ، وفيها الكثير من التحديات والمخاجر الصعبة ، و (حالة الطقس ) غير مساعدة ، تفتقد للجو المعافى وللاكسجين النقي لاتمام عملية الإنقاذ بسلام ..