أهم الأخبارالحرب السوريةمقالات الرأي

“عقدة إدلب”.. كيف أمكن لمدينة صغيرة أن تفجر صراعا بين روسيا وتركيا؟

تتجه الأوضاع في إدلب إلى نقطة فاصلة بنهاية شهر فبراير/شباط 2020 لا تقتصر عواقبها على مستقبل امتداد سيطرة النظام السوري في إدلب (آخر معقل للمعارضة السورية المسلحة بعد 9 سنوات من الحرب) والطرق الاستراتيجية المارة منها، وبالتالي مستقبل الحل في سوريا، ولكن تمتد إلى المساهمة في تشكيل مستقبل العلاقات التركية-الروسية، والعلاقات التركية مع الولايات المتحدة والناتو، وهي ملفات تنعكس على التموضع التركي في عدة قضايا إقليمية ودولية، مثل: ليبيا والقرم وملف باتريوت وإس 400 وغيرها.

تتناول الورقة الحالية مسار تطورات الأوضاع في إدلب والتي رفعت مستوى التوتر في العلاقات التركية-الروسية في ظل إصرار تركيا على انسحاب قوات النظام إلى خلف نقاط المراقبة التركية المتفق عليها في سوتشي، أو القيام بعملية عسكرية لطرد النظام بالقوة بالرغم من الدعم الروسي، وإزاء هذا الموقف قامت تركيا بعدة خطوات منها تعزيز وجودها على الأرض، وتكثيف المباحثات مع روسيا واستدعاء موقف إعلان إسطنبول الرباعي الذي يضم أيضًا ألمانيا وفرنسا، وترى الورقة أن تركيا تعتبر أن مصالحها في بقاء النظام بعيدًا عن إدلب تجعلها مستعدة للدخول بعملية عسكرية لكنها تفضِّل بكل الأحوال أن تحقق أكثر ما يمكن من خلال المباحثات، ومن الواضح أن التجربة علَّمت تركيا أن القوة على الأرض أساس لأي مكسب على طاولة المباحثات.

إلى ما قبل التطورات الأخيرة في إدلب، أثبتت تركيا وروسيا من خلال مساري أستانة وسوتشي وبدعم من دبلوماسية الزعيمين، قدرة على التوصل لتفاهمات ومنع تدهور الأمور إلى نقطة عدم العودة في سوريا منذ أن استطاعتا تجاوز أزمة إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، كان آخرها دعوتهما المشتركة للتهدئة في إدلب، في 8 يناير/كانون الثاني 2020، على هامش اجتماع متعلق بليبيا، ولكن يبدو أن المرحلة التي وصلت إليها الأمور حيث سقط قتلى من الجيش التركي في إدلب (16 قتيلًا خلال فبراير/شباط 2020) وحوصرت معظم نقاط المراقبة التركية في إدلب، قد رفعت مستوى التوتر بين تركيا وروسيا إلى درجة فشلت فيها عدة جلسات معلنة وغير معلنة للحوار بين الطرفين، في أنقرة وموسكو، في  التوصل إلى تفاهم إضافة لاتصالات الرئيسين. ويشير هذا الأمر إلى ضيق الهوامش التي كانت موجودة في مراحل سابقة.

وأمام هذا المشهد فقد ازدادت احتمالات التصعيد أيضًا مع إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في كلمة له، في 18 فبراير/شباط 2020، أمام كتلة حزبه في البرلمان أن بدء عملية عسكرية تركية لإيقاف العملية العسكرية التي يشنُّها النظام السوري ضد إدلب، أصبحت “مسألة وقت”. وكان الرئيس التركي قد أعلن، في 5 فبراير/شباط، عن مهلة للنظام حتى نهاية فبراير/شباط 2020 للانسحاب خلف نقاط المراقبة التركية وإلا سوف تقوم تركيا باسترداد هذه الأراضي بالقوة.

كان القرار التركي مدفوعًا بعدة ضغوط، أولها: الخطر الأمني المترتب على فقدان إدلب والذي قد يجر بعده تهديدات على مناطق درع الفرات وعفرين وحتى على الداخل التركي، بالإضافة إلى غموض علاقة النظام مع قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك الحال بضغط أكثر من مليون نازح أصبحوا على الحدود التركية من أصل 3.5 ملايين شخص موجودين في إدلب. ويُعتقد أن مزيدًا من الضغط يقع على الرئيس، أردوغان، عندما يدعو زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، حليف حزب العدالة والتنمية، لإعادة تقييم العلاقة مع روسيا، والعمل على إسقاط حكم الأسد: “لن يكون هناك سلام في تركيا حتى يتم إسقاط الأسد ويجب على تركيا أن تعد الخطط لدخول دمشق”. وبالطبع، يتزايد هذا الضغط مع تزايد عدد القتلى في الجيش التركي

اعتمدت حُجَّة روسيا والنظام على اتهام تركيا بعدم القيام بدورها تجاه تفكيك هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة والتي لم توافق على ما ورد في اتفاق خفض التصعيد، في مايو/أيار 2017. وقد شنَّت روسيا والنظام منذ ذلك الوقت عمليات قصف تجاه بعض المناطق في إدلب، لكن التطور الأخير الذي ظهرت فيه مساعي النظام بالسيطرة على إدلب بدأ منتصف 2019 بعد السيطرة على عدة بلدات في ريف حماة ثم بالسيطرة على منطقة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي والتي حوصرت فيها أول نقطة مراقبة تركية، في أغسطس/آب 2019.

وقد حقق النظام تقدمًا كبيرًا في الفترة بين 14 يناير/كانون الثاني و20 فبراير/شباط 2020، حيث سيطر على كامل الخط الدولي M5 (حلب-دمشق) الذي تقع على امتداده بلدتا معرة النعمان وسراقب، كما استولى على أجزاء من الخط الدولي M4 (حلب-اللاذقية) حيث دارت معارك شرسة في منطقة النيرب بين سراقب وأريحا شرقي إدلب. واستطاعت قوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا استعادتها في 24 فبراير/شباط 2020. ومع ذلك، تقدم النظام في نفس الفترة في بلدات معرة حرمة وكفر سجنة وحنتوتين والشيخ مصطفى ومناطق أخرى جنوبي إدلب، وبذلك بلغ عدد نقاط المراقبة التركية التي تمت السيطرة على عليها من النظام 13 نقطة مراقبة من أصل 40 نقطة، وقد كانت النقاط في الأصل 12 نقطة وفقًا لاتفاق سوتشي ولكن تركيا قامت برفع عدد النقاط بعد تقدم النظام نحو إدلب.

ومن المحتمل أن روسيا قدَّرت أن الأولوية الأساسية لتركيا تكمن في مشكلة اللاجئين وليس في سيطرة النظام على إدلب خاصة أن كل الجهات المحيطة بصنَّاع القرار التركي تقريبًا كانت تردد أن العام 2020 هو عام شرق المتوسط والوجود التركي في ليبيا، ولهذا ربما قدَّرت أن أنقرة سترضخ للأمر الواقع الذي تقضم فيه قوات النظام إدلب تدريجيًّا، مع منح شريط ضيق لاستيعاب مخاوف تركيا من أزمة اللاجئين، ولكن الموقف التركي أظهر تشددًا كبيرًا وأوضح أن مسألة بقاء إدلب خارج سيطرة النظام مسألة استراتيجية لتركيا ولدورها المستقبلي في سوريا، ولهذا أصرت على موقفها إزاء تقدم النظام وفي مواجهة الموقف الروسي الداعم له، ولذلك حاولت تركيا التأكيد على أولوياتها في إدلب لروسيا من خلال  التعزيزات العسكرية التركية التي لا تزال تتدفق نحو إدلب ومن خلال الاتصالات الدبلوماسية مع موسكو؛ حيث قال أردوغان: “قضية إدلب مهمة لنا بقدر أهمية عفرين ومنطقة نبع السلام، وأكدتُ لبوتين إصرارنا في هذا الموضوع”.

الانعكاسات خارج إدلب

على هامش الخلاف التركي-الروسي في إدلب، كان اتهام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لروسيا في 16 فبراير/شباط 2020، بإدارة الحرب في ليبيا لافتًا حيث قال: “روسيا تدير في الوقت الراهن الحرب هناك على أعلى مستوى”، كما كرَّر أردوغان اتهامه لشركة الأمن الروسية الخاصة “فاغنر” بدعم حفتر، ومع أن تركيا وروسيا وجَّهتا دعوة مشتركة لوقف إطلاق نار في ليبيا لم يقبل حفتر أن يوقِّع عليه قبل مؤتمر برلين مما أثار شكوكًا تركية حول حقيقة الضغط الروسي على حفتر. ومع أن تركيا وروسيا اعتمدتا نهج الفصل بين القضايا في علاقاتهما إلا أن اختلاف المصالح المتزايد في وقت تشعر فيه تركيا بترابط هذه القضايا وتأثيرها على مستقبلها يؤثر على كفاءة نهج الفصل، ويمكن أن نستشهد هنا بما قاله أردوغان: “إذا تهربنا من خوض النضال في سوريا وليبيا والبحر المتوسط وعموم المنطقة، فإن الثمن سيكون باهظًا مستقبلًا”.

ولا ننسى هنا أن الرئيس التركي بدأ برنامج شهر فبراير/شباط 2020 باجتماع المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى في العاصمة الأوكرانية، كييف، حيث جدَّد أردوغان تأكيده أن بلاده لم ولن تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بطريقة غير شرعية. ويأتي في هذا السياق ما أعلنه السفير الأوكراني في أنقرة أنه تم خلال هذه الزيارة “توقيع اتفاقية يقدم بموجبها الجانب التركي مساعدة مالية بقيمة 200 مليون ليرة تركية (حوالي 50 مليون دولار أميركي) ستُستخدم لتلبية احتياجات الجيش الأوكراني، وخاصة شراء الأسلحة”. مؤكدًا توقيع اتفاقية مشابهة وبنفس المبلغ سابقًا، لكن التوقيت هذه المرة من شأنه إثارة الاستياء الروسي. كما اعتبر هتاف أردوغان وسط استقبال حرس الشرف له في كييف: “المجد لأوكرانيا” مستفزًّا للروس خاصة أن الهتاف مرتبط بالمشاعر المعادية ضد روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.

وفي سياق هذا التوتر، حاولت موسكو تذكير أنقرة بأزمة 2015 عندما أوقفت روسيا استيراد الخضراوات من تركيا وخاصة الطماطم مما تسبب بضرر كبير للعاملين في هذا القطاع، وقد أوقفت روسيا، في 10 فبراير/شباط 2020، عددًا كبيرًا من الشاحنات التركية المحملة بالطماطم بحجة أن حصة استيراد الطماطم من تركيا والمقدرة بـ150 طنًّا قد اكتملت، وقد كان من المقرر رفع هذه الحصة 50 طنًّا لكن القرار الروسي لم يُعتمد بعد مما جعل 250 شاحنة تنتظر على المعابر الحدودية عرضة لخسارة  20 مليون دولار في حال تلف 5 آلاف طن من الطماطم والتي أفاد المسؤولون بأنه سيتم إتلافها بعد 3 أيام من تاريخ الإيقاف.

محمود سمير الرنتيسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Show Buttons
Hide Buttons